قسم الجغرافيا - جامعة القصيم :


تنطلق العلاقة بين البيئة والموارد والتنمية من تعريف الأمم المتحدة للبيئة في مؤتمر البيئة المنعقد في استوكهولم 1972م بأنها" رصيد الموارد المادية والاجتماعية المتاحة في وقت ما ومكان ما لإشباع حاجات الانسان وتطلعاته. يزهر هذا التعريف الشاملمكانياً وزمانياً كتغيرين مهمين في المحافظة على الموارد البيئية للحاضر في مكان ما والمستقبل للأجيال المتعاقبة والذي يمثل العلاقة الغلاف الحيوي الذي يجمع جزئيات من كل النظم البيئية الأخرى بعناصرها المختلفة التي تؤثر على البيئة المادية لمكونات الحياة. من أكثر المجالات التي شغلت المجتمع الدولي والسعودي خاصة بكافة مستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية موضوع العلاقة التي تربط بين المحافظة البيئة والموارد الطبيعية والتنمية المستدامة. تهدف هذه العلاقة لتأمين نوعية الحياة من خلال خلق الآليات اللازمة التي تعمل على ديمومة كوكب الأرض بشيء من التوازن وتجنب أساليب ونشاطات الإفساد التي تنهك الموارد وتضعف قدرتها وطاقتها للاستمرار. لقد تأطرت العلاقة عندما استبدلت المفاهيم الخاطئة بأن استغلال الموارد اقتصادياً يفضي إلى الدمار الشامل للبيئة، حيث برز الاتجاه العلائقي المتبادل في تقرير الموارد العالمية في العام 1992م، نفس العام الذي عقد فيه مؤتمر البيئة في ريو دي جانيرو (قمة الأرض) حيث نؤدي بمفهوم التنمية المستدامة والذي من ثوابته أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تدمر البيئة بل يعملان على المحافظة عليها إذا أتبعت الآليات العلمية و المنهجيات الملائمة. وكان هذا المؤتمر الأساس الذي وضع الوثائق القانونية للبيئة التي أبرزها مبادئ حماية الغابات واتفاقية التغيرات المناخية واتفاقية التنوع الحيوي.
تظهر الأهمية الاستراتيجية للمحافظة على البيئة فيما يصيب الأغلفة المكونة للحياة من تدهور وفي مقدمتها الأساس كوكب الأرض. منذ دخول النصف الثاني من القرن العشرين انتبهت المجموعات العالمية الناشطة في المجالات البيئية لخطر التدهور البيئي وتلمست ورصدت الآثار السلبية حيث ظهرت الكوارث والأخطار والمخاطر التي أدت إلى الحراك المجتمعي وعدم استقراره. أصبح التدهور البيئي لصيق المحافل الدولية العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لأنه ينسب إلى الأرض التي بها الموارد إطلاقاً والموارد المتاحة التي يحاول الانسان استغلالها واستثمارها بغية إكمال دورة الحياة الآمنة. وقد لأمس التدهور معظم البيئات العالمية ليشمل تدهور الموارد الطبيعية مثل التربة والغطاء النباتي وموارد المياه والتنوع الحيوي والمملكة الحيوانية. ظهرت جراء تلك الارتباطات ظواهر عميقة أثرت كثيراً على طاقة الأرض جزئياً أو كلية في مناطق مختلفة من العالم وبمستويات حدة متباينة مثل التصحير، الجفاف، الرعي الجائر( شكل 1)، إزالة الأشجار( شكل2)، العواصف الترابية، السيول، الفيضانات وغيرها، أبرز ما تعيشه المجتمعات الإنسانية اليوم لغياب استراتيجيات المحافظة على البيئة.

شكل 1: جانب من رعي غير رشيد في أحد شعاب هضبة المستوى بمنطقة القصيم
عند الحديث عن دور الإنسان في مثلث التنمية البيئية يأتي السؤال: هل الدور الإيجابي أم السالب؟ وعند الربط بين التدهور البيئي يظهر الدور السالب الذي يقوم به الانسان تجاه البيئة من جراء ممارسته الخاطئة غير المرشدة وغير المسؤولة والبعيدة عن المنهجية العلمية والسلوكية وتقديم الاتجاهات البيئية الموجبة التي تجعل من الانسان ايجابي بطبعه تجاه البيئة ومكوناتها. حسب على الانسان أنه: مجرم بيئي"، وذلك بعد أن أثبتت الأدلة والشواهد ضده بأنه مفسد، يقول الله تعالي: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) صدق الله العظيم. الحاجة لتعديل السلوك الإنساني يوازي مهمة الخلافة في الارض وهي الاصلاح والمحافظة وليس الإفساد والقطع الجائر والزراعة المفتوحة والصيد الجائر. إذا يمثل الانسان العلاقة المحورية مع البيئة من خلال الانشطة التي يمارسها، والسؤال: هل هي وفق المعايير والضوابط البيئية؟ هل قامت وتقوم مستوفية لمواثيق المحافظة على البيئة؟ هل تتحقق فيها المنهجية القبلية الخاص بتقييم الأثر البيئي؟ وغيرها من الاسئلة ذات الدلالة المعاصرة في المحافظة على البيئة. الانسان من خلال بيئته المصنوعة وما يلازمها من نشاطات ها استطاع أن يقرنها مع البيئة، من أبر الاتجاهات المعاصرة حيث نجد: الزراعة البيئية والصناعة البيئية والسياحة البيئية والطاقة البيئية والنقل والبيئة، حتى نكون مواطنين ومسؤلين ومستثمرين بيئيين.

شكل 2: جانب من الإفساد البيئي في أحد شعاب هضبة المستوى بمنطقة القصيم

الحديث عن البيئة والموارد الطبيعية والتنمية المستديمة لا يكتمل إلا بالتعرض للدور الرسمي في خلق المحافظة على البيئة والموارد وتحقيق استراتيجيات التنمية المستديمة. المقصود هنا المنهج البيئي السياسي الذي يعني الجهة الرسمية والمسؤولة عن التشريعات والإجراءات والقوانين البيئية والتي تعمل على الضبط البيئي والتحكم في الاتجاهات البيئية المتوافقة مع التنمية المستديمة والمحافظة على الموارد. لذلك نجد في كل دول العالم بما فيها المملكة العربية السعودية وجهاتها الرسمية التي لها القوام على البيئة مثل وزراه البيئة وزراه الزراعة والمياه وزراه الخدمة البيئية والتخطيط البيئي، والجهات الأخرى مثل المجالس العليا للبيئة وجمعيات أصدقاء البيئة وغيرها. ارتبط مفهوم التنمية المستدامة بالقيم الاخلاقية التي تنافي الانانية والطفيلية والنفعية التي تأخذ وتدمر حقوق الاجيال القادمة. تأتي التوافقية بين المحافظة على البيئة من خلال تأمين متطلباتها وضرورياتها من الأطراف المختلفة والتنمية وضمان استمراريتها حيث تكمن الحاجة إلى الموارد البيئية وترشيدها وتوظيفها المثالي لخدمة الحاضر واعتبارية المستقبل. تظهر الحاجة إلى عملية الموائمة بين ما يمارسه الإنسان من أنشطة على المستوى البسيط والواسع وطرق الحماية البيئية، وفق اعتبارات بديهية بالنظر إلى طبيعة الموارد من حيث نوعها ما إذا كانت متجددة أم غير متجددة.
الحديث عن جزئية الاتجاهات المعاصرة في المحافظة على البيئة ينبع من المسلمات والتحديات التي تواجه البيئة والتي جعلت التنمية البيئية منهجاً وأساساً لانطلاقة الحياة الأمنة المستقرة. من أبرز تلك الاتجاهات الإدارة البيئية المتكاملة، نظم الإدارة البيئية التشغيلية، السياسات البيئية المجتمعية، المواثيق العالمية للحفاظ على البيئة وتأمين مواردها، المؤتمرات البيئية النوعية، التشريعات البيئية المستجدة وفق اتجاهات تحقق أهداف التنمية المستدامة، وهنا تظهر اتجاهات الحماية القانونية للبية للتصدي للعدائيات التي أصبحت تزداد في ظل هشاشة تفعيل آليات الحماية والمحافظة على مكونات البيئية الطبيعية.


ركزت حكومة المملكة العربية السعودية في السنوات الحالية جل اهتمامها في مجال تهيئة و تنمية البيئات الطبيعية كإجراء يحافظ على البيئة و مواردها لطبيعية، وهي بهذا ما تزال تعلق آمالًا على أرضها، وتعتبرها بعدًا بيئيا استراتيجياً وحجر زاوية في تنمية مواردها خاصة فيما يتعلق بحماية تنوعها الحيوي والنباتي من أي ممارسات غير رشيدة كالاحتطاب الغير موجه والراعي ( الشكل 1-2) الغير رشيد الامر الذي يغير من طبيعتها أو يؤدي إلى اختلال توازنها؛ فوضعت هذه البيئات في دائرة الاهتمام وسنت نظام البيئة في العام الثاني والعشرون بعد الأربعمائة والالف، كما أوجدت محميات طبيعية، وبالفعل أقيم عدد كبيراً منها وفي عام 1439ه تم تحديد عدد ممتد من المحميات- منها على سبيل المثال: محمية الامام سعود بن عبدالله، محمية الامام عبدالعزيز بن محمد، محمية الملك عبدالعزيز، محمية الإمام تركي بن عبدالله، محمية التيسية، محمية الطبيق، محمية الخنفة، محمية حرة الحرة، محمية الوعول بحوطة بني تميم، محمية ريدة جنوب المملكة، محمية جزر فرسان، محمية عروق بني معارض في الربع الخالي، وكذلك محمية الأمير محمد بن سلمان. وإننا بهذا الصدد نوكد على أن الدراسات الجغرافية تأتي متضامنة مع تلك السياسات البيئية التي تسعى الدولة فيها سعيًا دؤوبًا من أجل إرساء قواعد قوية تقوم عليها تنمية مستدامة في بيئة سعودية تعاني نقصًا في مواردها البيئية، ونظرًا لأن الموارد البيئة السعودية تعد أحد أهم المكونات البيئية الطبيعية في هذه الدولة، فإنه من وجهة نظرنا كمختصين نرى أن تنمية الموارد الأرضية والحفاظ على البيئة تحتاج مزيدًا الدراسة والتقصي البحثي والتوعية البيئية التثقيفية. ....

.....................................................................................................................................................https://www.arabiaweather.com/
والله أعلم


أ.د. أحمد بن عبدالله الدغيري & د إبراهيم بن محمد التوم