هذا النص جزء من دراسة انجزت بعنوان :

دلائِل التحوُل المنُاخي خِلاَلَ عَصَر ي البلايستٌوسِين والهُولوُسيِن في هَضْبَة المِستِويَ بمنطقة القَصِيم- المملكة العربية السعودية

= مذيلات و ركامات الدفن القديمة بصفراء المِستِويَ

تتعدد أنواع وأشكال هذه الظاهرات في صفراء المِستِويَ، فمن ركامات حجرية ترتفع 3 أمتر ، إلى أخرى صغيرة لا تجاوز نصف المتر، وتتنوع أقطارها من (8 )أمتار إلى (1 ) متر، في حين نجد مذيلات ذات أبعاد واحجام مختلفة رؤوسها مثلثة الشكل إلى شبه دائرية، وتصل أبعادها عند القاعدة 5 متر وطولها من القاعدة إلى رأس الذيل مايقرب 9 متر وتحوي ذيل متصل بها يجاوز طول بعضها (90) مترا( الشكل 11 و10)، كما يسود هنالك نمط الدوائر الحجرية بدون ذيل وتعلو سطح الصفراء بما يقرب المتر وتحوي فتحات شرقية بطول (60) سم وارتفاع (40) سم، كما تتناثر هنا وهنالك وبشكل غير واضح مقتنيات حجرية من مشاحذ وفؤوس ومشارط من الصوان أو الكورتز ( الشكل 12)، يسود في بعض تلك الأنماط الحجرية رفات أدمية، وأخرى كثيرة منبوشة، وقد دلت النتائج الحفرية في هذه المدافن احتواء كم كبير منها على بقايا رفاة بشرية قادت نتائج الدراسة الميدانية والتحاليل المعملية إلى ما يلي:
1- فشلت نتائج التقدير العمري في المدافن الركامية المنتشرة في صفراء المِستِويَ ، حيث ركامات أم دبر Ms.16 02 الواقعة في وسط صفراء المستوى ( الشكل13) ، وكذلك ركام الصويدة Ms.160.03 في شمال الهَضْبَة، ويفيد تقرير المعمل المختص إلى أن هنالك أسباب مختلفة تقف وراء عدم نجاح تقدير أعمار تلك العظام البالية المعثور عليها في هذه الركامات كما يلي:
أ‌- انعدام أو قلة الكولاجين Collagen والبروتينات Proteins بفعل عوامل مختلفة .
ب‌- تعرض تلك الجثث لعمليات غسيل وارتشاح مائي بفعل المياه المتسربة من أعلى الركام.
ت‌- احلال معادن تغير من طبيعة المادة العظمية مثل الكالسيت CaCO3أو ثاني أكسيد السيليكون Sio2
ث‌- تعرض تلك الركامات للنبش مختلف وتعرضها لتشمس لفترات زمنية طويلة.
ج‌- حرق الجثث قد يكون سبب في انخفاض الكولاجين.
ح‌- هنالك احتمالية أن تكون أعمار تلك العظام البالية يجاوز 20000 سنة قبل الحاضر .
ويمكن أن تنجح تقديرات الأعمار أكبر من 20 – 50 ألف سنة إذا حافظت تلك الركامات على ظروف الدفن الأمثل، وهذا الذي لم يحدث في صفراء المستوى، هذا ومما يدعم قدم تلك الرفاة البشرية، دراسة التركيب الستراتيقرافي لرص تلك الركامات والذي يدل على رص جيد ، وتعرية هوائية وكيمائية تدعم كون أغلب الركامات قديمة جدا الأمر الذي مكن العوامل الجوية المختلفة طويلة المدى في تبيان بصمتها عليها.
2- على جانب أخر وإلى الغرب من السفوح الغربية لصفراء المِستِويَ حيث تقبع أكبر قارة بالقصيم وهي قارة الهرارة Ms.16.06 ، يتربع فوقها دائرة حجرية ضخمة تضم مدفن مسور بحجر كالسيت انفنيتي ناعم التحبب حيث يجاوز قطرة10 متر وجد فيها رفاة منبوشه حديثاُ ، وقد دلت نتائج تحليل كربون 14 لهذه العظام البالية أن عمرها.

جانب من رأس المذيلMs.16.07 ويظهر فيه جوانب راس المذيل وبعض أبعاده الهندسية.

يقرب من 107 سنة وهذا العمر مقبول حيث أن طريقة الدفن مماثلة لنمط الدفن الموجود في الزمن المعيش. على جانب أخر دلت قيم المؤشر النباتي قيم منخفضة( +1.4) وكذلك مؤشر التهطالات القديمة الذي وصلت قيمته (+6.0 ) ، هذه قيم تعتبر منخفضة جدا الأمر الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن البيئة وقتما عاش أولئك البشر كانت قاحلة وليس كما كان سائد خلال الفترات الرطبة والتي تجاوزت فيها القيم هذه النسب، كما أشارت إليه نتائج دراسة المستحاثات النباتية قرب مجرى وادي الرمة حيث دلت النتائج على سيادة حياة أقرب ما تكون للغابية القزمية وذلك خلال عصر الهولوسين حيث وصلت قيم المؤشر النباتي نحو( -28.6) Aldughairi, 2011p184).
4- دلت نتائج الحفر الذي استمر 3 أيام على عدم احتواء المذيل الكبير في صفراء المِستِويَ MS.16.07على أي دليل يدعم وجود رفاة أدمية وهذا ربما يعود لأسباب متعددة منها :
أ‌- عدم وجود مدفن في الأصل وهذا احتمال ضعيفة يوكد ذلك التحللات والتعفنات البكتيرية Microbial Activities المصطبغة بين جنبات المدفن وداخلة ودهاليز الصخور المصفوفة ( الشكل12A.)
ب‌- ربما يكون المذيل قد تعرض لتخريب ونبش وتقليب في صخوره .
ت‌- نمط رص جوانب المذيل يدعم تأثيرات طويلة المدي لعوامل حت وتعرية قديمة، الأمر الذي يمكن أن يكون مسند قوي لتقادم عمر المذيل .
ث‌- ذيل المذيل يحوي غرف متعددة عددها يفوق 20 مدفن، ولم يعثر في أغلبها ما يؤيد وجود رفاة بشرية وهذ يدعم وبقوة أن هذه المدافن قديمة جدا وأنها كما ورد في تقرير المعمل أن أعمارها قد تجاوز 20 ألف سنة.
ج‌- دل موقع المذيل على أنه يقبع على حافة نهرية لوادي موافق يسيل ناحية الشرق و يصب عند أقدام صفراء المِستِويَ الشرقية حيث تسود سطوح طينية خصبة ,هذا يؤكد أن البشر الذين استعمروا صفراء المستوى على دراية كافية ببيئتهم حيث طوعوا نمط معيشتهم وفق معطيات البيئة القديمة التي سادت وبادت.

قصاري القول وبعد تتبع جنبات غرف الدفن لعدد يجاوز 20 مدفن تبين أن تلك الجنبات تحوي مصفوفات من حجر الكلس المصفوف والذي يحوي في جنباته ترب سلتية بنية داكنة ناعمة جدا Dark Brown Paleosoil وهي ترب غريبة لا تنشي والا تتطور إلى في ظروف رطبة كفترة الهولوسين، لكن هذا الافتراض يحتاج مزيد من الاستقصاء والبحث والتحري وتحليل عمرى بواسطة تقنية OSL، ليمكن معه تأكيد المرحلة العمرية التي كان البشر خلالها يستعمرون هذ ا الجزء من القصيم وحال المناخ والبيئة القديمين. وهل كان البشر الذي عاشوا في هذه المنطقة عاصروا الفترة الرطبة التي سادة في صفراء المِستِويَ قبل 11500 سنة والتي أكدت نتائج الدراسة الحالية أن البيئة خلال ذلك الزمن كانت دفيئة ورطبة، هذا سؤال يحتاج إجابة في أعمال جغرافية مستقبلية .

والله أعلم
المصدر